ابن عجيبة

285

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم عرّف بذاته ؛ بتعريف أسمائه ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 180 ] وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 180 ) يقول الحق جل جلاله : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى تسعة وتسعين ، فَادْعُوهُ بِها أي : سموه بها . قال ابن جزى : أي : سموه بأسمائه ، وهذا إباحة لإطلاق الأسماء على اللّه سبحانه ، فأما ما ورد منها في القرآن والحديث فيجوز إطلاقه على اللّه إجماعا ، وأما ما لم يرد ، وفيه مدح ولا تتعلق به شبهة ، فأجاز أبو بكر بن الطيب إطلاقه على اللّه ، ومنع ذلك أبو الحسن الأشعري وغيره ، ورأوا أن أسماء اللّه تعالى موقوفة على ما ورد في القرآن والحديث . وقد ورد في حديث الترمذي عدتها « 1 » ، أعني : تعيين التسعة والتسعين . واختلف أهل الحديث : هل هي مرفوعة أو موقوفة على أبي هريرة ؟ والذي في الصحيح : « إنّ للّه تسعة وتسعين اسما ، مائة إلا واحدا ، من أحصاها دخل الجنّة » « 2 » . وهل الإحصاء بالحفظ أو بالعلم أو بالتخلق أو بالتعلق أو بالتحقق ؟ أقوال . قلت : كونها موقوفة بعيد جدا ؛ إذ ليس هذا مما يقال بالرأي . وسبب نزول الآية : أن أبا جهل سمع بعض الصحابة يقرأ ، فيذكر اللّه مرة ، والرحمن أخرى ، فقال : يزعم محمد أن الإله واحد ، وها هو يعبد آلهة كثيرة ، فنزلت الآية مبيّنة أن تلك الأسماء الكثيرة هي لمسمى واحد ، و ( الحسنى ) : مصدر وصف به ، أو تأنيث أحسن ، وحسن أسماء اللّه هي أنها صفة مدح وتعظيم وتحميد ، وقيل : الدعاء بها : التوسل بكل واحد منها . قال تعالى : وَذَرُوا أي : اتركوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ أي : يميلون فِي أَسْمائِهِ عن الكمال ؛ إما بتعطيلها ، أو إنكار شئ منها ، وإما بزيادة فيها ، مما يوهم نقصا أو فسادا . قال القشيري : الإلحاد : هو الميل عن القصد ، وذلك على وجهين : بالزيادة والنقصان ؛ فأهل التمثيل زادوا فألحدوا ، وأهل التعطيل نقصوا فألحدوا . ه . قال البيضاوي : أي : اتركوا تسمية الزائغين فيها ، الذين يسمونه بما لا توقيف فيه ، إذ ربما يوهم معنى فاسدا ، كقولهم : يا أبا المكارم ، يا أبيض الوجه ، أو لا تبالوا بإنكارهم ما سمى به نفسه ، كقولهم : ما نعرف إلا رحمان اليمامة ، أو : وذروهم وإلحادهم فيها بإطلاقها على الأصنام ، واشتقاقها منه ؛ كاللات من اللّه ، والعزى من العزيز ، فلا توافقوهم عليه ، أو أعرضوا عنهم ولا تحاوروهم . ه .

--> ( 1 ) أخرج حديث الأسماء الحسنى الترمذي في ( الدعوات باب 83 ) من حديث أبي هريرة رضى اللّه عنه . ( 2 ) أخرجه البخاري في ( الدعوات - باب لله مائة اسم غير واحد ) ومسلم في ( الذكر والدعاء - باب في أسماء اللّه تعالى وفضل من أحصاها ) . من حديث أبي هريرة - رضى اللّه عنه - مرفوعا .